العلامة الحلي
15
نهاية المرام في علم الكلام
ولأنّ الحصول إنّما يستلزم التعقل لو اتّحدت الصورة بالعاقل ، وهذا الشرط غير متحقق في الجسم والسواد . لأنّا نقول : إذا كان الإدراك هو الحصول ، فالمدرك شيء له الحصول - أي الإدراك - فأينما تحقق الحصول وجب تحقق الإدراك ؛ لأنّه نفسه فيكون الجماد مدركا للسواد لأنّ السواد حصل له ، لكن لما كذب على الجماد الإدراك وصدق عليه الحصول وجب التغاير ، وإلّا صار قولنا في الجماد إنّه حصلت له الصورة وهو غير مدرك أنّه حصلت له الصورة ولم تحصل له . وأيضا قولهم : « الإدراك حصول الشيء للذات المدركة » إن عنوا به للذات التي لها الحصول ، فالحال كذلك . وإن عنوا به عين الحلول فهو المطلوب ، ولمّا كانت النفس محلا للإدراك كانت مغايرة له ؛ لأنّ المحل مباين للحال ومغاير له . ولأنّ علمنا بالشيء لو كان عين ذاتنا لما كان يعتبر في علمنا بالشيء حصول حقيقة ذلك الشيء لنا . ولأنّه كان يجب أن نكون عالمين بذلك المعلوم أبدا . فثبت ، أنّ علمنا بالشيء زائد على ذاتنا ، فذلك الزائد إن كان نفس الحقيقة المعقولة ، فأينما تحققت تلك الحقيقة المعقولة حصل العلم فالجماد عالم ، وإن كان غيره فهو المطلوب . فإذا كانت حقيقة الإدراك عندكم هو الحصول ، فأينما تحقّق الحصول كان إدراكا ، إلّا أن يجعل قول الوجود على الأمرين بالاشتراك اللفظي ، فيكون وجوده عند كونه حاصلا في التعقل مخالفا لوجوده عند كونه حاصلا للجسم وهو باطل ، لأنّا إن جعلنا وجود الشيء نفس ماهيته استحال أن يختلف وجود الماهية الواحدة بحسب اختلاف القوابل وإن وقع الإشكال ، لأنّ حقيقته إذا كانت مغايرة لمعقوليته وجب أن يكون وجوده مغايرا لمعقوليته . وإن جعلناه زائدا استحال أن يكون بالاشتراك اللفظي اتّفاقا وبما سبق من الأدلّة . لا يقال : لا شكّ في أنّ التعقّل زائدا على عين تلك الماهية .